عبد الملك الثعالبي النيسابوري

9

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

به إلّا الأنبياء ، ولا ينتخب له إلا الأولياء . وإن اختص فيه من معاناة أنصاره وأتباعه ، والقائمين بإظهار دينه في حياته ، وعمارة سبيله بعد وفاته ، من مصابرة اللأواء « 1 » ، ومعالجة البأساء . وبذل النفوس والأموال وأخطار المهج والأرواح ، ما يزيد القلوب للإسلام تفخيما . وبحقه تعريفا . ولما عساها تستكبر من أفعالها تصغيرا . وفي الازدياد منه ترغيبا ، ما أجريه في خلال ذلك من تذكير بآلاء اللّه ، وتنبيه على نعم اللّه ، بما أقتص من أنباء الأولين ، وأبث من أخبار الآخرين ، وأبين من الآيات التي أمر اللّه بالمسير في الأرض لأجلها ، وبعث على الاعتبار بها وبأهلها . فقال أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ * فيحرص العاقل على استبقاء نعمة اللّه عنده بالشكر الذي ضيّعه من سلبه اللّه تلك النعم ، ويتحرّز « 2 » من غوائل الكفر « 3 » الذي أحل بهم تلك النقم . وأما غرض الدنيا فأن أقيم بفناء الصاحب الجليل أدام اللّه بهاء العلم بدوام أيامه من يخلفني في تجديد ذكري بحضرته ، وتكرير اسمي في مجلسه ، ومن ينوب عني في مزاحمة خدمته ، على الاعتراف بحق نعمته ، وعلمت أني لا أستخلف من هو أمس به رحما ، وأقرب منه نسبا ، وهو أرفع عنده موضعا ، وألطف منه موقعا ، وأخص به مدخلا ومخرجا ، وأشرف بحضرته مقاما وموقفا ، من العلم الذي يزكو عنده غراسا ، فيضعف ريعا ويحلو طعما . ويطيب عرفا ويحسن اسما . فاخترت لذلك هذا الكتاب ثقة بوجاهته ، وعلما بقرب منزلته ، وكيف لا يكون عنده وجيها مكينا ، ومقبولا قرينا « 4 » . وإنما هو نتاج تهذيبه ، وثمرة تقويمه ، وجناء تمثيله ، وريع تحريكه ؟ فلولا عنايته لما صدقت النيّة ، ولولا إرشاده لما نفذت الفطنة . ولولا معونته لما استجمعت الآلة ، وما يبعد به عن إيثار

--> ( 1 ) اللأواء : الشّدة في العيش . ( 2 ) يتحرّز : يحترس ويتجنّب ، ومنها الحرز الذي يحتمي به المرء ويتعوّذ . ( 3 ) غوائل الكفر : دواهيه ومهالكه . ( 4 ) القرين : الصاحب .